من مارس 1884 الى نوفمبر 1975م

من المعروف عن تاريخ منطقة الصحراء الغربية أنها تعرضت خلال حقبة العصر الحجري الثالث إلى تغيرات وتبدلات طبيعية غامضة أدت بها إلى حالة محبطة من الفقر انعكست بحدة على حياة و معيشة سكانها الذين تخلوا نتيجة لذلك عن مهنهم التقليدية المتمثلة في الصيد البري والبحري واتجهوا نحو أشكال من الزراعة وتربية المواشي ، فنشأ بذلك ما يشبه المجتمع الزراعي الرعوي
في القرنين الثاني والثالث أحدث الاجتياح الروماني لمناطق شمال إفريقيا تخلخلا في التركيبة الديمغرافية لسكان الصحراء الغربية. حيث قدمت من صحراء ليبيا ومناطق الشمال قبائل صنهاجة وزناتية البربرية واستقرت في الأرض الصحراوية .وفي مطلع القرن الثامن الميلادي وصلت هجرات عربية من شبه الجزيرة العربية إلى أرض الصحراء الغربية حاملة معها رسالة الإسلام . وقد قوبل الدين الجديد بقبول كبير من القبائل المحلية وانتشر بينها

وكان لدور الداعية الإسلامي الشيخ عبدا لله بن ياسين موجه مؤسس الدولة المرابطية منذ مطلع القرن الحادي عشر ، أهمية كبيرة في تاريخ المنطقة, فبفضله عم المذهب المالكي الصحراء الغربية. كما رسخ المسلمون في بلاد الصحراء أساس نظام اجتماعي متطور وأنعشوا الحياة الاقتصادية هناك ، وخاصة تجارة الذهب من مالي التي كانت تعرف في ذلك الوقت باسم السودان
وتوالت الهجرات العربية إلى الصحرا ء الغربية خلال الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر. فوصلت إليها قبائل من بني حسان وبني هلال عن طريق مصر وتغلغلت بواسطة سيطرتها في منطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب ومجمل أراضي موريتانيا. وبفضل شدتها تزايد نفوذها وطبعت المنطقة بطابعها العربي الإسلامي المميز.
عرف الصحراويين قديما بنظامهم المتميز والمتمثل في مجلس ايت أربعين بمعنى حكم الأربعين، وهو عبارة عن مجلس لأعيان القبائل تتم العضوية فيه على أساس الترشيح القبلي ورئاسته متداولة بين الأعضاء، وتصدر قراراته بالإجماع طبقا للأعراف والتقاليد وعلى قاعدة الشريعة الإسلامية
أيت أربعين هي السلطة العليا التي تضم في تشكيلها وجهأ الأعيان من كل القبائل الذين تفويضهم لتمثيلها . ويقوم المجلس بسن القوانين الملزمة للجميع ويسهر على الدفاع عن الوطن ، تأمين المراعي ، حضانة أبار المياه ، الحفاظ على ألاماكن الصالحة للحرث والإشراف على توزيعها وحدود التماس مع الجيران. كما أنه مفوض للتفاوض باسم القبائل. وقد تختلف التأويلات لمعنى الاسم ( ايت أربعين ) أو مجلس الأربعين كما يسميه البعض، فهناك من يرى أن الاسم يدل على عدد الأعضاء حيث أنه كان يتكون من أربعين عضوءا. وهناك من يرى أن كلمة أربعين مرتبطة بعمر العضو حيث لا تمكن العضوية في المجلس إلا بعد بلوغ سن الأربعين
وهناك الكثير من المراجع تشير إلى تراث ايت أربعين المكتوب، ومنها ما ذكره الاسباني خليو كاروباروخا في كتابه دراسات صحراوية وكتاب جامع المهمات لمؤلفه المرحوم محمد سالم لحبيب الحسين، ونورد هنا نموذجا من التشريع الذي تبنته أيت أربعين في وثيقة مؤرخة في 24 ذو الحجة 1165 هجرية، والتي يؤكد فيها المجلس على انه من بين الأسباب التي دعت إلى قيامه
 ـ إقامة حدود الل
 ـ عدم وجود سلطان في الأرض غير سلطان القبائل
 ـ أهمية السلطة لما توفره من أمن وحماية للجميع
وفي ما يلي مختطفات من الوثيقة المذكورة :… ( وجعلوا أيضا فرائض فرضوها على من تحدى وخالف ما هو الأصلح بهم عقوبة له إذ لا يردع ولا يجزا إلا بها . ونذكر من بين هذه العقوبات ما يلي
1 ـ كل من أعان ظالما ولو كان أبه أو أخاه يقوم بإطعام أيت أربعين، وإن كانوا جماعة يقوم كل واحد منهم بذلك بمفرده 
2 ـ من أتلف حرث غيره فعقوبته 5 مثاقيل فضة
3 ـ من سل مكحلة ( من اشهر سلاح ) في وجه أحد فعقابه خمسة مثاقيل فضة، وإن جرحه فابن لبون من الإبل
4 ـ من أكل أموال أخر ظلما فعقوبته وعقوبة من يساعده أبن لبون من الإبل لكل واحد ويرد للمظلوم ما أخذ منه 
5 ـ من منع الشريعة ( أي دعاه القاضي ولم تستجب ) يغرم بعشرة مثاقيل فضة
6 ـ كل قبيلة تعلن العداوة لقبيلة أخرى تدفع عشرة نوق عشر وات
هذه البنود القانونية التي يعود تاريخها إلى أكثر من قرنين ونصف من الزمن تبرهن أن الصحراويين لا يقبلون الفوضى ويرفضون شريعة الغاب. وكل دارس متأني سيجد أنها تمجد الإنسان والقيم الأخلاقية وتكتسي طابع شمولي وارتباط عميق بالشريعة الإسلامية الحنيفة كمرجع أساسي وعادات وتقاليد شعب عربي نبيل في تعامله ومعاملاته كعماد وركيزة ثابتة. بالرغم من صعوبة الظروف الطبيعية وتخلف وسائل الحياة عموما قاوم الشعب الصحراوي العديد من المحاولات الأجنبية التي سببها الطمع في القوافل التجارية قديما والبحث عن مواقع استراتيجية على شوا طي أفريقيا التي اتجهت إليها الأنظار بعد النهضة الأوروبية ونظرا للأهمية الاستراتيجية للصحراء الغربية والمتمثلة في 
1 ـ موقع جغرافي يربط إفريقيا بأوروبا
2 ـ قربها من جزر الكناري الاسبانية
3 ـ شوا طي غنية بمختلف أنواع الأسماك
4 ـ قنطرة عبور للقوافل التجارية شمالا وجنوبا
هذه الأسباب وغيرها تفسرها المحاولات الاستعمارية المتتالية على الصحراء الغربية ونذكر منها 
ـالبرتغاليون 1444 ـ المغاربة 1583 ـ الإيطاليون 1869 ـ الإنجليز 1872 ـ البلجيكيون1875 ـالفرنسيون 1880 ـ الألمان 1883 ـ الاسبان 1884 
مع نهاية القرن الرابع عشر ، وصلت جماعات من البرتغاليون والاسبان إلى شوا طي الصحراء الغربية يحذوهم الأمل في الهيمنة على الطريق التجارية الصحراوية والسيطرة على منجم الذهب في مالي ، وقد واجهتهم القبائل الصحراوية. ثم كان الاتفاق الأسباني ـ البرتغالي المعروف بمعاهدة ( ترويسياس) وفيها حصلت إسبانيا على حق إخضاع المنطقة الصحراوية.
والواقع أن علاقة إسبانيا بالمنطقة تعود إلى سنة 1525 ، حيث كان البحارة الكناريون يقومون بالتبادل التجاري ( المقايضة ) مع سكان الساقية الحمراء ووادي الذهب ، وبموجب هذا الاحتكاك أصبح بعض السكان على إلمام نسبي باللغة الاسبانية
ثم جاء مؤتمر برلين عام 1884 وفيه اقر الأوروبيون لأسبانيا بحقها في استعمار إقليم الساقية الحمراء ووادي الذهب . وبذلك حصل الأسبان على ما كانوا يحتاجونه لتشريع احتلالهم لمنطقة الصحراء الغربية 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s